من صفحات الذاكرة / قصة قصيرة
يستبد بنا القلق .. ينساب الخوف , هجيناً بموت تحمله اكتاف خطواتنا اليومية .. فنحتاج الى عزلة تنأى بادمغتنا – التي شلها التفكير – نحو معتزل يعتاش – في خضم الموت – على بقايا خلايا حية , استقرت بين طياتها ذكريات تركت على اكتاف السنين مليون الم امطرته سماواتنا الملبدة بغيوم الاسى .
في ظهيرة كانونية باردة .. وانا الملم اوراقي وكتبي المبعثرة هنا على رفوف المكتبة وفي الدواليب الصغيرة .. وهناك في الصناديق التي تناثرت اثناء نقلها – بعد التهجير – لاعيد ارشفتها وعزلها .. رغم يقيني انها بعد حين ستعود الى التناثر من جديد . فانا من النوع الذي لا يكترث بنظامية الاشياء , واذا ما قررت الحفاظ على شئ معين بوضعه في مكان خاص اكون قد تاكدت اني قد ضيعته الى حيث لن اجده .
الوقت ياخذني فعند كل كتاب تستوقفني محطة .. وديوان ابراهيم ناجي كانت له حصة اطول من الوقت .. ربما هو ليس الافضل لكنه المفضل بالنسبة لي .. اعود اليه دائما .. احسه يتجدد عند كل قراءة .. وكم احب تلك الزازا التي تستثيره .. واطيل البقاء بين هذه الابيات دون معرفة بالسبب :
كل شئ صار مرا في فمي
بعدما اصبحت بالدنيا عليــما
اه من ياخذ عمري كلــــــه
ويعيد الطفل والجهل القديما
صرخت اختي بوجهي ان اكمل فالبيت مقلوب راسا على عقب , ولو بقيت على حالتي لن انتهي بعد اسبوع .. اعتذرت من ناجي واسرعت بلم شتات الكتب .. استدرت لاحمل صفا وضعته خلفي لاعيده الى المكتبة .. لفت انتباهي دفتر يتوسط الصف اصغر من بقية الكتب وكان قد اثر على تناسقها فسحبته لاضعه في مكان يناسبه . كان دفتراً ذو غلاف مخطط بالاحمر والاصفر عليه غلاف جلدي احمر شفاف يميل الى البني .. استغربته , فتحت صفحته الاولى فقرات ( التقينا غرباء ولنفترق اصدقاء ) .. شعرت بارتجافة غمرتني وخدرتسلل الى جميع مفاصلي .. احتظنت الدفتر , نهظت من مكاني , تسللت نحو غرفتي كانني احمل كل سنواتي بين يدي , تاركة خلفي ما تناثر عالقا قرب المكتبة , والدموع تتسلل من عيني كسجين فكت قيوده .
كانت يداي ترتعشان وانا امررهما فوق الدفتر فتحته , قرات مقدمته :
(( احبتي : ان رحلتم عن حياتي .. فلن ترحلوا عن ذكرياتي ….
في لحظة يصفو الانسان الى نفسه وتسكن روحه الى ذكرياته .. اضع دفتري بين يديكم .. قد لا نشعر الان باهميته لاننا مجتمعون .. لكن وبعد انشغالنا بالحياة سنركن اليها فاذا بها تفوح بعبق لم نتحسسه من قبل .. هو عطر الشوق والحب والامل في لقاء ولو قصير.. فالحقيقة شئ وهمي .. كذلك الحياة , فما اجملنا ان ادركنا سر وجودنا .. وما اشقانا ان عشنا في اقفاص حجرية .. فما دمنا احياء فلنذكر امسنا وما احب الى الانسان الا ذكرى امسه .. فهذه انا عالقة وسابقى في اذهانكم .. غارقة في حبكم .. فتقبلوا صداقتي ))
اشتد بي الالم واتجهت حاجتي الى الغوص عميقا في الذاكرة والبحث عن وميض اشد سطوعا واطلقت عنانها لتركن عند مرحلة مرت بعرباتها مسرعة , اخذة في ركبها احلى السنوات , فكانت بوابة حلم تفضي الى صخب الشباب وعبث الصبا .
كنا نخبة من الاصدقاء تعارفنا في اجواء جامعية اكثر من جميلة في مدينة الحدباء وكان السفر منها واليها متعة لا تعادلها متعة .
كنا لفيف مسور بالحب والتفاني , والمشاكسة كانت قاسمنا المشترك
كثيري السفرات .. فليلي الدخول الى القاعات الدراسية . كانت مجموعتنا فسيفسائية الالوان .. من اقسام شتى في الكلية .. كنا نحس بالانتماء للمجموعة دون ان تكون لها ارتباطات حزبية او دساتير نظامية فمشاعر الحب والالفة هي القائد والمنظم لكل سياقاتنا ومناهجنا .
انهينا السنة الدراسية الاولى في الموصل , انتقلنا بعدها الى بغداد انتقالا لم يكسر لنا لحمة ; بل زادنا تقاربا , وفي بغداد اطلق على مجموعتنا ( جماعة الموصل ) وظلت هذه التسمية ملازمة لنا حتى التخرج .
السنوات الدراسية على طولها كانت قصيرة .
لا يمكنني القول اني كنت محورا للمجموعة فجميعنا كنا محاور مهمة .. غياب اي منا يترك فراغاً لا يستوعبه احد . كان لكل واحد منا مهمته داخل المجموعة وقد اتفق ان يكون دوري بينهم كأم رؤوم تحتضن حماقاتهم وتجد لها مبررا وكان الجميع راغب بمجالستي والبوح بما يختلج في نفوسهم الغضة .. الا هو .
ذلك الشاب الهادئ .. الابيض البشرة والمكتنز قليلا .. المبتسم دائما .. كنت احسه يتجنبني طوال سنوات الدراسة - بدءا من الحدباء لغاية التخرج – بشكل يثير في نفسي فضول البحث عن محظوراته ومكامن نفسه الغريبة . كنت استشعره لغزا محيرا طوال السنوات ولم اشأ – رغم فضولي – اختراق هالة العزلة التي احاط نفسه بها منذ البداية .
لم اجد بدا من التساؤل المستمر في ذاتي دون ان اوجه له سؤالا مباشرا .. فربما هذا ما يرغب به – لا اعلم - الا اني لم امنحه هذه الفرصة.
في السنة الدراسية الاخيرة كان دخولنا الى النادي اكثر من دخول المحاضرات , وكلما اقتربت السنة نحو النهايات ازددنا اقترابا وحزنا فكان لا بد من لحظات نغريها بالاقتناص .
انضم ( صائب ) الى تجمعاتنا الاخيرة بود اكبر وروح اكثر تفاؤلية ليشهد معنا لحظات علقت في الذاكرة . كان يندفع نحو الاصدقاء والصديقات بحماسة الفتها من سواه ولم االفها منه .. ربما هي لحظات النهاية تلفظ ما تبقى من طاقة شبابية مكتنزة .. الا معي .
لم يلحظ احد ما كنت احس به فهو محبوب من الجميع وله فراسة ونكتة وقابلية جعل الجميع يضحك دون ان تتحرك عضلة من عضلات وجهه الطفولي .
كوننا من اقسام مختلفة لم نكن نجتمع في وقت واحد انما نتدفق نحو النادي واحدا تلو الاخر . وفي احدى المرات خرجت وصديقتي فاطمة ومها وكالعادة اقدامنا تحث خطاها نحو طاولة النادي المستديرة لمحت كرسيا فارغا يجاور صائب فاسرعت خطواتي قليلا لاشغله قبل سواي , القينا السلام .. كان وليد عند الكافتريا فسالنا ان كنا راغبين بالشاي فاشرنا عليه بسندويج الطلبة الشهير ( لفة الفلافل ) مع الشاي .. اخذ يصرخ متمنيا لو انه لم يسال .
كنا جميعا مؤهلين للضحك بشكل يثير حسد الاخرين .. وكانت عينا صائب دامعتين من شدة الضحك ..
- ( هذه فرصتي ) .. قلت في نفسي
فاقتنصت اللحظة لاباغته بسؤال مفاجئ
- ما بك يا صائب ؟
اخترق السؤال اذنيه وتوقف عن الضحك وانشدت عضلات وجهه المنفرجة حتى كادت تنفجر ولم استطع تحديد السبب غيضا ام غضبا .. ولم يكن قادرا على الصمود جلوسا فهمس في اذني
- اني اخشى السحرة .
ثم نهض واستاذن دون ان يلحظ احد ما دار بيننا . هنا فقط اخذتني نشوة الانتصار بفرح غمرني وطار بي نحو فضاء اشد
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ